فواز حدّاد يكشف الحالة السورية

7. شباط 2026

فواز حدّاد روائي رافق التجربة السورية على مدى نصف قرن. طالما اعتُبرت رواياته محرَّمة في عهد النظام السابق، لما تكشفه من أثر الاستبداد في تشكيل الوعي والثقافة والأحكام الأخلاقية. وبهذا، غدا أحد أكثر الأصوات الأدبية حضوراً ووضوحاً في المشهد الثقافي اليوم.

منذ صدور روايته الأولى (موزاييك) (1991)، شقّ فواز حدّاد مساراً روائياً خاصاً داخل الرواية السورية المعاصرة، مساراً انشغل مبكراً بأسئلة السلطة، وبموقع المثقف داخل بنية الاستبداد، وبالعلاقة المعقّدة بين الفرد والتاريخ والسياسة. غير أن هذا المشروع بلغ ذروته وأكثر مراحله كثافة مع اندلاع الثورة السورية 2011 - 2024، حين تحوّلت الرواية عند حدّاد إلى أداة كشف، لا توثيق، وإلى فضاء تخييلي قادر على اختراق ما استعصى على التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع.

من رواية المرحلة إلى سؤال البوصلة

يرى حدّاد، بعد إنجازه ست روايات مفصلية عن الثورة السورية والواقع الشمولي الممتدّ لنصف قرن، أنه أغلق مرحلة كاملة من رحلته الكتابية، هذه الروايات بدءاً من رواية (السوريون الأعداء) التي نشرها عام 2014 وانتهاء برواية (الروائي المريب) الصادرة العام 2025 لم تكن، في جوهرها، استجابة آنية للحدث، بل اشتغالاً عميقاً على «الزمن السوري» بوصفه زمناً مأزوماً، تداخلت فيه الدولة البوليسية مع الخراب الاجتماعي، وتآكلت فيه القيم والمعايير الإنسانية.

لكن المرحلة التالية، كما يراها حدّاد، لن تكون استمراراً آلياً لهذا المسار، بل انتقالاً إلى أسئلة أشد تعقيداً: من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف يمكن استعادة البوصلة في مجتمع ممزق فقد اتجاهه؟ هنا تغادر الرواية وظيفة التشريح السياسي المباشر، لتسرد، واقع الإنسان السوري بوصفه كائناً أنهكته آلة القمع والتجويع والتدمير والتهجير والقتل. 

المعرفة شرطاً للرؤية

كثيراً ما وُصفت روايات فواز حدّاد بموسوعيتها المعرفية، لما تحمله من إحالات تاريخية ودينية وسياسية وثقافية وفنية، غير أن حدّاد نفسه يتحفّظ على هذا الوصف، معتبراً أن ما راكمه من معرفة ليس غاية بحد ذاته، بل أداة للنفاذ إلى العوالم التي يكتب عنها.

المعرفة، في تجربته، نتاج تراكم وبحث ومعايشة داخلية، لكنها لا تكتمل إلا بالخيال، ذلك العنصر الغامض الذي يسمح للروائي باختراق الطبقات العميقة للواقع بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والإنسانية، وكشف ما يتعذر إدراكه عقلانياً أو توثيقياً. من هنا، تبدو رواياته مشغولة بتفكيك البنى الخفية للسلطة والمجتمع، لا بتقديم معارف جاهزة أو خطابات تعليمية.

دمشق المكان والثقافة

يُشكّل المكان الدمشقي أحد أبرز الثوابت في مشروع حدّاد الروائي، فحارات دمشق القديمة، وشوارعها ومقاهيها، ليست مجرد خلفية للأحداث، بل فضاءً دلالياً مشبعاً بالذاكرة والتاريخ والتناقضات. في مقابل ذلك، يتعامل حدّاد بحذر مع «دمشق الحديثة»، التي يراها فضاءً مغترباً، تفتقد الألفة والروابط الإنسانية، وتعيش حداثة سطحية لم تتجذر اجتماعياً.

لذلك، يلجأ في مقاربته للأمكنة إلى الفضاءات العامة القسرية: السجون، المستشفيات، مراكز التوقيف، المقاهي، السينما. أماكن تجمع الناس بفعل القهر أو الضرورة، وهو ما ينسجم مع رؤيته للمجتمع السوري في ظل الدولة الشمولية التي زالت.

التغييب والسلطة الثقافية

لم يكن تغييب روايات فواز حدّاد عن القارئ السوري محض صدفة، فالرقابة الرسمية لعبت دوراً واضحاً في منع انتشارها، نظراً لجرأتها في نقد السلطة، لكن الأخطر، كما يشير حدّاد، كان دور ما يسميه «السلطة الثقافية»، أي شلل من المثقفين الذين تولّوا إدارة المشهد الثقافي، واحتكروا المنابر والفعاليات، ووسّعوا دائرة الإقصاء لتشمل الداخل والخارج معاً.

هؤلاء، الذين رفعوا شعارات الحداثة والتقدمية، مارسوا دوراً قمعياً موازياً، واشتغلوا على تشويه الأصوات الأدبية واتهامها بالطائفية أو الرجعية أو حتى الإرهاب، وقد تحوّلوا، في روايات حدّاد، إلى مادة سردية تكشف تواطؤ الثقافة مع الاستبداد.

السخرية السوداء

تحتلّ السخرية السوداء موقعاً مركزياً في نصوص فواز حدّاد كآلية كشف عميقة تفضح التناقض الفجّ بين الخطاب الأيديولوجي المعلن، والممارسات الوحشية التي تستره وتشرعنه، فهي سخرية تستهدف بنية التفكير السلطوي ذاتها، وتعرّي السيكولوجيا الهمجية للجّلّاد، وقداسته الزائفة، وتكشف تفاهة القمع حين يتخفّى خلف شعارات كبرى.

في هذا السياق، تأتي التقنيات السردية التي يوظّفها حدّاد بوصفها ضرورة تفرضها طبيعة العالم السردي نفسه، فهو يستثمر ما يتاح له من أدوات فنية، قديمة كانت أم معاصرة، بمرونة واعية، دون أن يقيم قطيعة بين الأشكال، أو يميّز بين «تقليدي» و«حديث» إلا بقدر ما يخدم النص ويعمّق أثره الدلالي.

هكذا تتجاوز السخرية، وتعدّد الأصوات، وتفكيك الخطاب السلطوي، وتداخل المستويات الزمنية، دون استعراض تقني أو افتعال شكلي، وتغدو التقنيات جزءاً من بنية السرد وتوسيعاً لطاقته الكاشفة. فالتجريب هنا نتيجة طبيعية لنصّ يصطدم بواقع مختلّ، لا يمكن مقاربته إلا بأدوات مرنة، قادرة على التقاط عبثه وقسوته في آن.

بهذا المعنى، تتحوّل السخرية السوداء في روايات حدّاد إلى ممارسة معرفية وجمالية مزدوجة: تعمّق الإدانة بدل تخفيف الألم، وتضع القارئ أمام كوميديا سوداء مرعبة، تكشف انهيار الإنسان داخل منظومة البطش، دون أن تمنح العنف أيّ مسافة جمالية مريحة.

المثقف شخصية كاشفة

ليس تركيز حدّاد على شخصية المثقف خياراً اعتباطياً، فالمثقف في رواياته هو المرآة الأكثر حساسية لتحولات السلطة والمجتمع. عبر هذه الشخصية، تتجلى الانتهازية، والبراغماتية، والمقاومة، والتواطؤ، والانكسار.

ومع صعود العسكر إلى السلطة، ينفصل المثقف عن مركز القرار، ويُعاد تعريف دوره: إما الالتحاق بالسلطة وتبريرها، أو اتخاذ موقف نقدي معارض. هذا التعدد في الأدوار هو ما يمنح شخصية المثقف بعدها الدرامي والكاشف داخل مشروع حدّاد.

النقد الغائب والفجوة المتسعة

مجيء تكرار شخصيات مثل «المهندس» في رواية (السوريون الأعداء) أو «خالد» في رواية (الشاعر وجامع الهوامش) أو «شكيب» في رواية (الروائي المريب) التي حملت وجوهاً متعدد مختلفة غايته اشتغالاً على نموذج سلطوي واحد يتبدّل في الواجهة، ويثبت في الجوهر. إنها شخصيات تتنافس في القمع، وتبتكر وسائل جديدة لإثبات الولاء، وتكشف عن ديناميات الصراع داخل أجهزة النظام نفسها.

ويرى حدّاد أن تراجع النقد الأدبي يشكل فراغاً خطيراً تُركت فيه الرواية لأمزجة فردية أتاحت لها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي فرصة للتعبير عما تقرأه وغالباً لا يكون عميقا أو ناتجاً عن معرفة نقدية متخصصة، أو لآراء لجان جوائز مسيّسة. فالروايات الكبرى، في كثير من الأحيان، لا تحظى بشعبية واسعة، لكنها تُشكّل علامات فارقة في تطور الفن والفكر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نقد متخصص قادر على قراءة هذه الأعمال، وتقديمها بوصفها جهداً إنسانياً ومعرفياً، لا مجرد منتج استهلاكي.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ فواز حدّاد كتب عن الثورة السوريّة بوصفها ذروة لانكشاف طويل، وأن مشروعه الروائي، في مجمله، يشكّل واحدة من أكثر المحاولات جديّة وعمقاً لفهم الإنسان السوري داخل بنية الاستبداد، وفي لحظة تحوّله التاريخي وإضافة هامة للفن الروائي المعاصر.

العودة إلى الأعلى

كاتب وناقد سوري

رأي

منير الفقير

كيف تسعى الحكومة إلى امتصاص الغضب الشعبي

مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وتصاعد الإحباط الشعبي، تطرح القيادة السورية فكرة الانتقال إلى نظام شبه رئاسي. لكن هل يمثل ذلك إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد وسيلة لإعادة توزيع المسؤولية مع الإبقاء على تركّز السلطة؟

08. آذار 2026

شفان ابراهيم

نريد هوية وطنية جامعة، لا شعارات مرحلية

أدّى سقوط الأسد إلى خلق فراغ في مفهوم الدولة. ومن دون اعتراف متبادل وعقد اجتماعي حقيقي يجمع جميع المواطنين، فإن الدعوات إلى الوحدة قد تتحول إلى مجرد شعار فارغ جديد.

06. آذار 2026

محمد خير الوزير

أيّ عدالة نريد؟

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

03. آذار 2026

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية