شبح الركود لا يقل خطورة عن الثورة المضادة

21. شباط 2026

بينما ترسم القيادة السورية الجديدة مسار ما بعد الأسد، تواجه معضلة حادّة: كيف تحمي الثورة من خصومها من دون أن تخنق التعددية التي وعدت بها يوماً؟

في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، وجدت القيادة السورية الجديدة نفسها أمام معضلة مركّبة: تثبيت انتصار الثورة في مواجهة تهديدات الثورة المضادة، وإعادة بناء الدولة دون الانزلاق إلى فخ الفوضى أو الانقلابات السياسية. لقد رأينا كيف أعادت ثورات الربيع العربي تدوير النخب القديمة، فأسهم ذلك في عودة الأنظمة السابقة بشكل أكثر شراسة.

وتزداد حساسية المرحلة الانتقالية في سوريا بسبب تراكمات الصراع الطويل، والانقسامات الاجتماعية والسياسية العميقة، وأي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى فقدان مكتسبات الثورة أو خلق فجوات تستغلها القوى المضادة. في هذا السياق، أصبح التوازن بين التحصين السياسي ومواصلة الانفتاح أمراً بالغ التعقيد والدقة.

الإقصاء الوقائي

لنأخذ التجربة المصرية كمثال. لم تُفكك الدولة العميقة في مصر بعد تنحي حسني مبارك في شباط/فبراير 2011، بل أُعيد تدويرها بشكل كامل، إذ احتفظ الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والإعلام بمواقعهم، فيما جرى استيعاب نخب ليبرالية وتكنوقراطية عملت سابقاً مع النظام تحت شعار «الخبرة» و«المرحلة الانتقالية». ولم تمضِ سوى سنتين حتى عاد النظام العسكري بانقلاب تموز/يوليو 2013، أكثر شراسة وتنظيماً، واستطاع إلغاء كل مكتسبات الثورة المصرية تقريباً. 

أما في ليبيا، فقد كان الوضع مختلفاً. فاستيعاب شخصيات أمنية وقبلية من نظام القذافي ساهم في حفظ استقرار نسبي للبنية الإدارية والأمنية، لكنه لم يفضِ إلى سيطرة مركزية كاملة على الدولة كما حدث في مصر، فالأقاليم والحالة القبلية والنزاعات المحلية حالت دون استعادة النظام القديم بشكل كامل، رغم أن النفوذ المحلي لبعض النخب السابقة ظل حاضراً.

وماذا عن الثوار؟

انطلاقًا من تلك الدروس، رحّب كثيرون بالقيود المفروضة على بعض نخب حقبة النظام السابق عندما يتعلق الأمر بتعيينهم في مناصب عليا. غير أنّ الجهاز البيروقراطي للدولة ما يزال يضم موظفين عُيّنوا في عهد النظام، ويواصل أداءه وممارسة نفوذٍ ملحوظ. وفي الأشهر الأخيرة، ارتفعت أصوات الانتقاد بسبب استبعاد المثقفين العلمانيين وشخصيات المعارضة ضد بشار الأسد من الوظائف الحكومية المناسبة. ومن بين هؤلاء من أدّوا أدوارًا محورية في ثورة عام 2011، بمن فيهم مؤسسو المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

يبدو أنّ القيادة السورية الجديدة تنظر إلى النخب الثورية كبقايا «نظام» آخر، وتعتبر إقصائها إجراءً استباقياً ذكياً. فهذه النخب، رغم تاريخها النضالي، تمثل – بحسب التحليل المتداول – مدخلاً للانقسام والاختراق، وهو ما قد يُستغل لإضعاف الدولة الوليدة. من هذا المنظور، يصبح الإقصاء مؤقتاً وأداتياً، يهدف إلى حماية العملية الانتقالية، وضمان عدم انقلاب الثورة على نفسها.

بين التحصين والركود

فسّر المحللون هذه السياسة على أنها تمييز مدروس بين الدولة والنظام: إشراك الخبرات الإدارية والاقتصادية من النظام القديم بوصفه حماية لمؤسسات الدولة، بينما يُعد إقصاء النخب الثورية والمعارضة خطوة وقائية مؤقتة لضمان عدم نشوء نظام «بديل» يختطف الدولة أو يغرقها في صراعات داخلية.

ضمن هذا الإطار، جرى اتخاذ إجراءات لتحصين البلد ضد الثورة المضادة بمعناها العريض. من بين هذه الإجراءات تأجيل الانتخابات الشاملة لتجنب استغلال المال السياسي والطائفية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، تفادياً لفوضى مشابهة لما حدث في العراق بعد 2003، وتحجيم الخطاب الأيديولوجي لصالح مفردات الاستقرار والسيادة وإعادة الإعمار.

 ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو توازن التحصين مع الانفتاح السياسي، فهناك خطر تحويل الإقصاء الوقائي المؤقت إلى نظام حكم مغلق قائم على الحذر والجمود، يحدّ من فعالية الثورة، ويحولها إلى إدارة تقنية بدون سياسة.

ينبغي أن يُقاس مستقبل سوريا، جزئياً، بمدى قدرة القيادة الجديدة على دمج الطيف الأوسع من الطبقة السياسية المناهضة للأسد تدريجياً ضمن هياكل الدولة. يتطلب النجاح إشراك المجتمع المدني والنخب السياسية والفكرية والثقافية في صنع القرار بشكل تدريجي، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً ومرونة في التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، دون فتح الباب أمام اختراقات قد تهدد مفاهيم الثورة وكيان الدولة الجديدة.

إذا نجحت القيادة في هذه المعادلة، فقد تكون سوريا أمام تجربة مختلفة عن الثورات العربية الأخرى، تجربة تثبت قدرة التحصين ضد الثورة المضادة، والسير جنباً إلى جنب مع بناء دولة عادلة ومرنة وتشاركية.

العودة إلى الأعلى

كاتب وناقد سوري

رأي

منير الفقير

كيف تسعى الحكومة إلى امتصاص الغضب الشعبي

مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وتصاعد الإحباط الشعبي، تطرح القيادة السورية فكرة الانتقال إلى نظام شبه رئاسي. لكن هل يمثل ذلك إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد وسيلة لإعادة توزيع المسؤولية مع الإبقاء على تركّز السلطة؟

08. آذار 2026

شفان ابراهيم

نريد هوية وطنية جامعة، لا شعارات مرحلية

أدّى سقوط الأسد إلى خلق فراغ في مفهوم الدولة. ومن دون اعتراف متبادل وعقد اجتماعي حقيقي يجمع جميع المواطنين، فإن الدعوات إلى الوحدة قد تتحول إلى مجرد شعار فارغ جديد.

06. آذار 2026

محمد خير الوزير

أيّ عدالة نريد؟

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

03. آذار 2026

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية