يا عرب الشمال، اتحدوا!
تكشف الحرب مواطن الضعف في منطقة الخليج، وتفتح أمام العراق وسوريا فرصة سانحة. غير أن اغتنامها يتطلب روابط اقتصادية متينة وتوافقاً سياسياً يتجاوز الانقسام الطائفي.
في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة»، استفاض لورانس في وصف حركة الهجرة المستمرة في شبه الجزيرة العربية، حيث دفع الضغط السكاني القبائل الأضعف من مرتفعات اليمن إلى صحاري نجد والحجاز، ثم شمالاً نحو وديان العراق وسوريا وسهولهما الخصبة. وهناك، استقرّ البدو واشتغلوا بالزراعة واندمجوا في المجتمعات المحلية، إلى أن جاءت موجة جديدة من القبائل الرحّل لتُربك حياتهم، في حركة متعاقبة من الجنوب إلى الشمال.
غيّر النفط مسار هذا التفاعل العريق بين جنوب وشمال الجزيرة العربية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأ عرب الشمال يتجهون جنوباً بحثاً عن العمل. وأسهم معلموهم ومهندسوهم وأطباؤهم ورجال أعمالهم في بناء المملكة العربية السعودية ودول الخليج، التي سرعان ما تجاوزت ثرواتها ثروات أوطانهم. وفي الأثناء، عانى العراق وسوريا ويلات الانقلابات والديكتاتوريات والحروب والاحتلال الأجنبي والإرهاب، بينما راكم عرب الجنوب، باستثناء اليمن، الثروة والنفوذ، وأخذوا يحددون على نحو متزايد ما يُعرف بـ«الموقف العربي». وجسّدت الرؤية السعودية وغيرها من رؤى 2030 هذا الطموح الجنوبي في أبهى صوره، واعدةً بمكانة دولية مرموقة وازدهار يتجاوز النفط. لكن الجغرافيا عادت لتفرض قيودها على دول الخليج.
المرونة والهشاشة
تجلّت هشاشة دول الخليج الجغرافية والاستراتيجية في عجزها عن احتواء إيران، بل حتى وكلائها. وشكّل اعتمادها على الولايات المتحدة المتقلبة، وتفضيل واشنطن المصالح الإسرائيلية على مصالحها، صدمةً لها. ولعلّ مكمن ضعفها الأكبر هو محدودية قدرة مجتمعاتها على استيعاب الاضطرابات؛ فرفاهها وجاذبيتها التجارية مرهونان باستقرار داخلي وإقليمي كامل، وبإمدادات متواصلة من الكهرباء والمياه المحلّاة، تنتجها محطات تُعدّ أهدافاً واضحة. وحتى الآن، كلّفت الحرب في الخليج دول مجلس التعاون الخليجي 15.1 مليار دولار من عائدات النفط المفقودة، ونحو 58 مليار دولار من أضرار البنية التحتية. ومن المرجّح أن تكون خسائر التجارة والاستثمار أكبر من ذلك. وحتى قبل الحرب، أثار التوسع في بناء ناطحات السحاب والشقق الفاخرة تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع، ويُعدّ مشروع «نيوم» مثالاً بارزاً عليها.
في المقابل، أكسبت الكوارث المتكررة عرب الشمال قدرةً كبيرة على تحمّل الاضطرابات والندرة، لم تُتح لجيرانهم الجنوبيين فرصة مماثلة. فقد علّمت سنوات الصراع السوريين والعراقيين كيف يحافظون على استمرارية أعمالهم رغم انقطاع الكهرباء وإغلاق الحدود. وتُنمّي هذه التجارب القدرة على الصمود وحسن التدبير، وهما صفتان بالغتا الأهمية في شرق أوسط تتزايد اضطراباته. ومن شأن التعاون أن يتيح للبلدين توظيف هذه الخبرات على نحو أكثر فاعلية.
فرصة ضائعة
لن تكفي مشاكل الخليج وحدها لجذب المستثمرين شمالاً. فعلى العراق وسوريا أن يعملا معاً لتأمين طرق تجارية آمنة وإنشاء سوق مشتركة أوسع، إذا أرادا الاستفادة القصوى من هذه الفرصة.
أضفى هذا التفاهم أهميةً خاصة على زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق في 28 تشرين الأول/ أكتوبر، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع لبحث قضايا الطاقة والاستثمار وأمن الحدود. وذكرت وكالة سانا أن المحادثات تناولت «سبل حماية سوريا والعراق من تداعيات النزاعات المحتملة من خلال تنسيق أوثق»، إلى جانب خطط لإعادة تشغيل خط أنابيب النفط الذي يربط العراق بالساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط.
يعكس تاريخ خط أنابيب كركوك– بانياس تقلّبات العلاقات بين البلدين. فقد بُني في أوائل الخمسينيات ليكون طريقاً حيوياً لنقل النفط الخام العراقي إلى الأسواق العالمية، ثم أغلقته سوريا عام 1982، بعدما انحاز حافظ الأسد إلى إيران في حربها ضد العراق. وظلّ الخط خارج الخدمة معظم العقدين التاليين. وبلغ تدهور العلاقات حدّ طباعة عبارة «يسمح له بزيارة كل دول العالم ما عدا العراق وإسرائيل» على جوازات السفر السورية، واستمر حظر السفر إلى العراق حتى عام 2001. وأُعيد تشغيل الخط عندما سعى البلدان إلى توحيد جهودهما في مواجهة التهديدات الأمريكية عقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. وفي عام 2003، أغلقته القوات الأمريكية في العراق مجدداً. واليوم، تُناقَش إمكانية إنشاء خط أنابيب جديد.
من مآسي الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط ضعف العلاقات الودية بين العراق وسوريا. فقد أسهم العداء السوري للنظام الملكي الهاشمي المدعوم من بريطانيا في بغداد في إحباط مشاريع الاتحاد مع العراق في خمسينيات القرن الماضي، ودفع دمشق إلى السعي وراء اتحادها المشؤوم مع مصر، الأبعد جغرافياً والأقل توافقاً. ثم جعل صعود الأنظمة العسكرية والرؤساء مدى الحياة في البلدين العلاقات رهينةً لتحالفات جيوسياسية متنافسة، فيما أضافت الكراهية المتبادلة بين الأسد وصدام بُعداً شخصياً إلى مرارة القطيعة.
بعد التحرر من إرث صدام والأسد ومن الاحتلال الأمريكي، بات أمام السوريين والعراقيين مجالٌ جديد للسعي إلى أهداف مشتركة. وتقوم المعادلة على حصول العراق على منفذ إلى البحر الأبيض المتوسط وطرق بديلة للتصدير، مقابل حصول سوريا على الاستثمارات والطاقة وسوق استهلاكية كبيرة.
ما الذي يجب فعله
بذل المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، جهوداً حثيثة لتشجيع زيارة الزيدي إلى دمشق، ربما إدراكاً لما تحمله من فرص تجارية ودبلوماسية. أما العراق، فينظر إلى التعاون مع سوريا بوصفه ضرورة أمنية في المقام الأول. ويقترح تقرير استشاري لمكتب الأمن القومي العراقي لعام 2025، اطّلعت عليه مجلة «سوريا المتجددة»، أن تتعامل بغداد مع سوريا بمنظور أمني واستراتيجي براغماتي، يوازن بين مقتضيات التعاون وتجنّب التورط في صراعات إقليمية. ووفق هذا المنظور، ينبغي أن يقوم التعاون مع دمشق على مبدأ «الأمن أولاً، والسيادة دائماً».
ولكي تستمر العلاقة وتزدهر، ينبغي أن تقترن الاتفاقيات الاقتصادية بتدابير تجعل الروابط، وإن كانت متواضعة في البداية، أكثر رسوخاً وإلزاماً وقابليةً للتوسع.
ينبغي إضفاء طابع مؤسسي على التعاون الاقتصادي، بما يضمن استفادة شرائح واسعة من المجتمع، لا قلة من رجال الأعمال والسياسيين ذوي النفوذ. ويمكن البدء بترتيبات تيسّر التجارة، مع اعتماد الاتحاد الجمركي هدفاً رئيسياً. ويوفر العراق سوقاً استهلاكية واسعة، كما أن منافسة منتجيه للمنتجين السوريين أقل من منافسة منتجي الأردن ولبنان، اللذين تتداخل صادراتهما بدرجة كبيرة مع الصادرات السورية.
وينبغي أيضاً تعزيز التواصل بين الشعبين لإحياء العلاقات السورية العراقية. فبرامج التبادل الجامعي، والشراكات مع منظمات المجتمع المدني، والأنشطة الثقافية والرياضية تتيح للشباب العراقي والسوري فرصاً للتعارف. كذلك، يعود تسهيل السفر بالنفع على الجميع، من صغار التجار إلى العائلات وزوار المراقد. وينبغي أن يكون السفر دون تأشيرة هدفاً أساسياً.
وتبقى المسألة الطائفية. ينبغي تنحية الخلافات السنية الشيعية جانباً، مع حظر واضح للتحريض الطائفي والاستخفاف بمعتقدات الآخرين. ويقدّم ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي في سوريا سابقةً لاحتواء الانقسام الصوفي السلفي داخل المذهب السني، من خلال قواعد تتيح تعايش التقاليد المتنافسة. ويمكن لنهج مماثل أن يعزّز التعايش السني الشيعي، دون التعقيدات اللاهوتية التي رافقت محاولات سابقة، قادتها دول الخليج العربي في الغالب، لطمس الخلافات العقائدية. أما المبادرة العراقية السورية المنشودة، فتقوم على إجراء سياسي بامتياز تتبنّاه الدولتان، ويجعل خفض التصعيد الطائفي جزءاً من الحكم الرشيد. ولأن السوريين والعراقيين تحمّلوا وطأة الحرب الطائفية، فإن المصالحة بينهما تكتسب رمزية خاصاً.
عكست بعض اللفتات المصاحبة لزيارة الزيدي إلى سوريا إدراكاً لأهمية هذه الفرصة. فقد استقبله أحمد الشرع في المطار، وهو تكريم لم يحظَ به بعض القادة السنة الزائرين. كما عبّرت مرافقة وزير الخارجية أسعد الشيباني له إلى مرقد السيدة زينب عن احترام للطائفة الشيعية في العراق. وردّ الزيدي بالمثل، مقدّماً 5 ملايين دولار لترميم المسجد الأموي، رغم الصورة النمطية التي تصوّر الأمويين أشراراً تاريخيين في الخطاب الشيعي. وكان صمت بعض فصائل الحشد الشعبي المتطرفة، التي كان يُتوقع أن تدين الزيدي، لافتاً للنظر.
قوة شمالية عظمى؟
ينبغي لعرب الشمال أن يتقاربوا، بدءاً من أكبر قوتين: العراق وسوريا. ويؤتي التعاون الوثيق أفضل ثماره حين تدرك الأطراف أنها تواجه تهديداً مشتركاً، كما أظهرت تجربة التكامل الأوروبي في مواجهة المخاوف من النزعة الانتقامية الألمانية والعدوان السوفيتي. ويواجه العراق وسوريا تطرفاً دينياً في الداخل، يتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية والعناصر الأكثر تطرفاً في الحشد الشعبي، فضلاً عن ضغوط خارجية من إيران وتركيا وإسرائيل. ومن شأن علاقة أوثق بين بغداد ودمشق أن تجعل التلاعب بالبلدين أو ترهيبهما أكثر صعوبة.