حمص القديمة، بتغليف جديد
تقييم مطعم طوشكا الفردوس في حمص
زار ناقد المطاعم لدينا، نديم السفرة، مطعماً عريقاً في حمص، لطالما أحاطت الشكوك بنظافته، لكنه ظل محبوباً لجودة طعامه. فوجده قد تحوّل إلى ما يشبه فرعاً لسلسلة عالمية للوجبات السريعة، وتساءل إن كان هذا التحوّل يعكس شيئاً من حال سوريا اليوم.
كل حمصي أصيل يعرف مطعم طوشكا الفردوس. فهذا المطعم العريق، الذي افتُتح في ثمانينيات القرن الماضي، ترك بصمة لا تُمحى في مشهد الطعام بالمدينة، حتى غدا جزءاً من هويتها، تماماً كما كان مطعم أبو عبدو الفوال جزءاً من هوية حلب، وكما هي بوظة بكداش بالنسبة إلى دمشق.
يتخصص مطعم الفردوس في الطوشكا، وهي شطيرة من اللحم المشوي والجبن الذائب، إلى جانب كوكتيلات الفاكهة ومشروبات الحليب والموز؛ وهي أصناف تحظى بشعبية في أنحاء سوريا.
أُحِب الطوشكا وكوكتيلات الفاكهة، وأُحِب المطاعم التي تكتفي بعدد محدود من الأطباق. وهذا أمر نادر في سوريا، حيث تبدو قوائم الطعام غالباً أقرب إلى موسوعات، من دون أن يضمن اتساع الخيارات جودة أفضل.
لذا، لطالما كان مطعم الفردوس على قائمة الأماكن التي أود زيارتها في حمص. وحين وجدت نفسي في المدينة للعمل، حرصت على تخصيص وقت لهذه التجربة.
وأنا أسير من المدينة القديمة إلى حي الفردوس، بدا واضحاً كيف أسهم موقع الحي الاستراتيجي على طريق طرابلس في ترسيخ مكانة المطعم في ثقافة الطعام الحمصية. يقع الحي بين أحياء سكنية عريقة في وسط المدينة وغربها، تضم شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة، منها الإنشاءات والتوزيع الإجباري والمحطة والغوطة. وهو قريب من مدارس عديدة، ولا يبعد فندق السفير الشهير عنه سوى خطوات قليلة.
كنت أعلم أن مطعم الفردوس خضع مؤخراً لتجديد شامل، لكنني لم أكن مستعداً لحجم التغيير. حملت الواجهة الجديدة، المصقولة والمضاءة بعناية، اسم المطعم بأحرف عربية صفراء متوهجة، مستديرة ومرحة. وفي الداخل، كان التجديد شاملاً بالقدر نفسه، وأثره لا يقل وضوحاً.
في الصور القديمة، بدا مطعم الفردوس قادراً على إثارة حنين عميق، حتى لدى من لم يعش في حمص أو يتناول الطعام فيه. أسعدتني التقييمات القديمة ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي أظهرت محل سندويشات متواضعاً، بجدران مكسوة بالبلاط الأبيض، وإضاءة قوية، وكراسٍ وطاولات غير متناسقة. كان يشبه أفضل المطاعم السورية العائلية.
لكن لم يُكتب لي أن أجد ذلك الجمال البسيط الذي يُذكّر بزمن مضى. بدا الفردوس الذي زرته كفرع جديد لسلسلة عالمية للوجبات السريعة: أنيقاً، لكنه يكاد يخلو من طابع خاص؛ ربما لم يكن ببرود بريت أمانجيه، لكنه كان أقل جاذبية من شيك شاك. في الداخل، تحيط كراسٍ منجّدة بالعنابي والكريمي بطاولات تشبه أسطحها البلاط المرصّع بالحصى، وتستند إلى قواعد معدنية سوداء. وتكتمل الصورة بألواح جدارية ذات مظهر خشبي وزخارف هندسية وشبكية، ومصابيح معلّقة بإضاءة دافئة. غابت عن الجدران صور كان يمكن أن تروي تاريخ المطعم: أجيال من المالكين، أو ضيوف مرموقون، أو حتى مؤسس المطعم المعروف باسم «أبو النشح» في بداياته. ومع ذلك، نجت بعض عادات المكان من التحوّل. ظل التلفزيون يحتل مكاناً بارزاً على الحائط، ولم يكن هناك نادلون يتنقلون بين الطاولات لتلقّي الطلبات؛ اقتصر تعاملنا مع الموظفين على الطلب عند المنضدة، حيث كانوا منشغلين بإعداد الطعام.
ربما يمكن تفهّم رغبة أصحاب هذا المطعم العريق في التخلّي عن بعض ملامحه القديمة، في وقت تعيد فيه سوريا تعريف نفسها وتدخل مرحلة جديدة، ويتطلّع العاملون في قطاع الضيافة إلى استقبال مزيد من السياح والسوريين العائدين من الخارج. وربما كان لديهم دافع آخر أيضاً: فقد عُرف المطعم بين أهل حمص بلقب «أبو النشح»، أي أبو قذارة مياه الصرف. ولعل هذا اللقب، الذي يُقال على سبيل المزاح أكثر من الازدراء، يعود إلى سمعة المطعم في قلة الاهتمام بالنظافة.
قد يبدو ارتباط المكان بمياه الصرف منفّراً اليوم، لكنني أتذكر كيف كان أقراني، في مراهقتي، يمتدحون مطاعم سندويشات اشتهرت بالتساهل الشديد في معايير النظافة. وعلى كثرة المرات التي توكّلنا فيها على الله قبل تناول طعام مشكوك في جودته، لا أتذكر أن أحداً منا مرض. واتفق أصدقائي في حمص على أن «أبو النشح» لم يعرّض صحتهم للخطر أكثر من نوافير الشرب البدائية في المدارس السورية.
في زيارتي الأخيرة، طلبت وجبة الطوشكا الشهيرة بسعر دولارين، وكوكتيل الفواكه الذي لا يقل عنها شهرة بسعر 1.44 دولار. قُدّمت الطوشكا مقطّعة، وعلى خبزها المسطّح خطوط داكنة متوازية تركتها الشواية، وبين طبقاته الرقيقة حشوة من الجبن الذائب واللحم المفروم. وُضعت على صينية مبطّنة بورق وردي، يطابق لون المصاصة البلاستيكية المرافقة لمشروبي، إلى جانب شرائح الطماطم والفلفل الأخضر المخلّل، وقليل من صلصة الثوم الكريمية ومعجون الفلفل الحار.
حين كشفت الحشوة، وجدتها باهتة وغير جذابة: كتلة من اللحم المفروم والجبن يحيط بها خبز رطب، لا تفتح الشهية. وجاء الطعم مخيّباً بالقدر نفسه، يفتقر إلى غنى نكهة اللحم وإلى التناغم بين النكهات والقوام الذي يجعل الطوشكا الجيدة متعة حقيقية. فالطوشكا الجيدة تجمع لحماً مفروماً متبّلاً بعناية، مع شيء من الحرارة، وجبناً يذوب في اللحم بدل أن يبقى طبقة منفصلة، وخبزاً رقيقاً مقرمشاً يحتضن الحشوة كلها.
أنهيت وجبتي بسهولة، لكنني فهمت التعليقات الكثيرة التي قرأتها لسكان محليين قالوا إن الطوشكا كانت ألذ في السابق. ولو كنت جائعاً حقاً، لما كانت الكمية كافية، وإن كان كوكتيل الفواكه الكثيف والشهي قد عوّض عن تواضعها.
وأنا أغادر حي الفردوس، تأملت كيف يمكن للمظهر الأنيق أن يكون خادعاً. ليس الإقبال على المقاهي العصرية والجماليات العالمية المستعارة جديداً على سوريا، لكن كثيراً من الأماكن التقليدية التي نجت من الحرب بقيت، لحسن الحظ، على حالها. في المقابل، تتكاثر مقاهٍ ومطاعم جديدة تبدو غريبة تماماً عن محيطها: مقهى وردي فاقع تزيّنه نباتات بلاستيكية في الشارع المستقيم بدمشق، ومطعم يقدّم الآيس كريم على خبز الصاج، مستوحى من شخصية سبونج بوب، في القيمرية، أحد أحياء المدينة القديمة. وفي الوقت نفسه، قد تتجاهل بعض أشهر مطاعم سوريا وأغلاها معايير النظافة وجودة المكوّنات على نحو صادم. وبالمثل، أولت الحكومة السورية الجديدة عناية كبيرة بالمظاهر، ما دفع كثيراً من المواطنين إلى التساؤل: هل يحظى الجوهر خلف الواجهة بالعناية نفسها؟ وهل ستكون الأطباق النهائية شهية كما يوحي مظهرها؟
أتمنى لمطعم الفردوس كل التوفيق في فصله الجديد. لا أشك في أن التجديد كان مكلفاً، ويبدو أنه نُفِّذ وفق أعلى المعايير. لكنني آسف لأنه لم يراعِ تاريخ المطعم ومكانته في ذاكرة حمص الجماعية. فسكان مدينة عانت دماراً وخسائر فادحة خلال الحرب يستحقون شيئاً من المتع البسيطة التي تصلهم بماضٍ أكثر سعادة.
طوشكا الفردوس، طريق طرابلس، قرب فندق السفير، حمص.