سرّ صمود قسد

31. ديسمبر 2025

بقاء «قسد» ليس نتاج قوة ذاتية بقدر ما هو انعكاس لعجز الدولة السورية عن إقناع الخارج بأنها الشريك الأمني الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه.

رغم الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق اتفاق العاشر من آذار بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قبل عدة أشهر، ورغم كل التجاذبات حول تطبيقه من عدمه قبل نهاية هذا العام وما رافق ذلك من تصريحات سورية رسمية وغير رسمية، وتصريحات تركية تدفع بإنهاء قسد كبنية عسكرية وأمنية عند الحديث عن سيناريوهات الإدماج في الجيش السوري أو إعادة هيكلة الإدارة في شمال شرق سوريا، إلا أن جوهر المسألة لا يكمن في شكل الاتفاق ولا في تفاصيله التقنية، بل في عامل أكثر عمقاً وحسماً هو مستوى الثقة الدولية والإقليمية بحكومة دمشق كشريك أمني موثوق.

فمهما كان شكل الاتفاق، ومهما بلغت تنازلات الطرفين، فإنه لن يؤدي إلى ذوبان «قسد» ولا إلى إلغاء وجودها الأمني والعسكري في الخارطة السورية وذلك لسبب بسيط، يكمن في أن البيئة الدولية لا تزال غير مهيأة لمنح حكومة دمشق موقع الشريك الأمني الوحيد في البلاد، وخاصة في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب وضبط الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.

مستوى الثقة الكاملة

بالرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الشراكة مع الحكومة السورية في محاربة تنظيم داعش بل وانخراط سوريا بشكل شبه رسمي في التحالف الدولي لمكافحتها، إلا أن هذه الشراكة لا ترقى حتى الآن إلى مستوى الثقة الكاملة. فبناء الثقة في الملفات الأمنية عملية تراكمية تحتاج إلى سنوات من الأداء المستقر والمؤسسي القابل للتحقق، فضلاً عن اختبارات مستمرة للأداء الأمني والعسكري لعناصر الجيش وخطاب المؤسسة العسكرية. وهذا  لا يزال خارج مستوى ثقة المراقب الأمريكي، ولا أدل على ذلك إلا حادثة تدمر الأخيرة والتي أودت بحياة جنديين أمريكيين اثنين مع مرجمهم استهدفهم أحد عناصر القوى الأمنية التابعة للحكومة السورية باعتراف الداخلية السورية نفسها. يضاف إلى ذلك موضوع هوية الجيش السوري وخطابه وهتافاته المؤيدة لفلسطين خلال العرض العسكري في دمشق بمناسبة ذكرى التحرير. كل ذلك وغيره لا يزال يغذي الشكوك أكثر مما يبددها، ويؤكد أن قدرة الحكومة على الضبط الأمني الشامل لا تزال محل اختبار. وأن نوايا القيادة السورية لا تزال في حيز الرغبة التي يكتنفها الكثير من العجز.

علاوة على ذلك لا يمتلك الجيش السوري الوليد القدرات العسكرية الكافية للإسهام في مكافحة داعش، رغم نجاحه والقوات الأمنية للحكومة السورية بالإيقاع بعدد من قيادات وأفراد التنظيم في الآونة الأخيرة. إلا أن الاعتماد عليه سيتركز على قدرته على تزويد التحالف بالمعلومات الاستخباراتية، وبأن لا يتحول أي من مقاتليه لتهديد أمني في المستقبل أو تطوير مقدراته الاستخباراتية الذاتية وخطابه الداخلي بالشكل الذي يضمن عدم مقدرة داعش على اختراقه.

الاعتماد على الوكلاء

في المقابل، تمتلك «قسد» سجلاً عملياً طويلاً في الحرب على داعش، وهي محل ثقة راسخة لدى واشنطن، وهو ما يفسر استمرار الدعم الأمريكي لها، بما في ذلك تخصيص أكثر من 130 مليون دولار لها مؤخراً. هذا الدعم مؤشر سياسي واضح على أن الولايات المتحدة لا تنوي التخلي عن «قسد» كشريك أمني في المدى المنظور، بغض النظر عن طبيعة الاتفاق مع دمشق.

هذا المنطق لا يقتصر على تعامل الولايات المتحدة مع قسد وحدها، فاعتماد الولايات المتحدة على وكلائها المحليين في البادية السورية مستمر تحت عنوان «جيش سوريا الحرة» التابع إسمياً لوزارة الدفاع السورية والذي يتخذ من قاعدة التنف مقراً له، كما يدير منذ سقوط النظام السابق قاعدة الضمير الجوية على البوابة الشمالية الشرقية للعاصمة دمشق. كما أن هذا النهج لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، فتركيا ورغم تحالفها القوي نسبياً مع حكومة دمشق فإنه يعتقد أنها لا تزال تملك تأثيراً قوياً على الفرقتين 62 و76 التابعتين لوزارة الدفاع و التي يقودهما حلفاؤها في الجيش الوطني السابق محمد الجاسم أبو عمشة وسيف أبو بكر . وكذلك تفعل إسرائيل في الجنوب عبر الاعتماد على تشكيلات محلية درزية كحزام أمني غير مباشر.

مقاربة جديدة مطلوبة

من هنا فإن أي اتفاق مع قسد لن يخرج عن النموذج الذي لا يمنح الدولة استعادة لوظيفتها الأمنية والإدارية الكاملة على امتداد التراب الوطني، وهو نموذج هجين يدمج بين مركز ضعيف يتم التعامل معه سياساً ودبلوماسياً وأطراف متناغمة أمنياً مع مصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين.

تحتاج السلطة في دمشق لكي تكسر هذه الحلقة إلى مقاربة جديدة في قيادتها لدفة البلاد تقوم على إيجاد شراكة في الحكم مع قيادات سياسية ونخب مجتمعية أكثر موثوقية وتنوع. فمهما كان الطريق للوصول إلى اعتمادية المجتمع الدولي طويلاً فإن طريق بناء الثقة مع قيادة خرجت شخوصها للتو من لوائح الإرهاب يحتاج إلى وقت أكبر وهو ما ستدفع فاتورته من قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها داخلياً وخارجياً.

العودة إلى الأعلى
Cover image

منير الفقير

ناشط حقوقي وسياسي سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية