«الكردستاني»: ماركس التركي وداروين السوري!

8. يناير 2026

حزبُ العمال الكردستاني استطاع البقاء وتجاوز الأيديولوجيات والخصوم والرعاة، عبر تكيّفه مع تحوّلات خريطة القوى في الشرق الأوسط

صدفت، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في مكتب لتنظيم ماركسي لبناني، مجموعة مقاتلين من حزب العمال الكردستاني، قالوا حينها إنهم يتدربون في البقاع اللبناني لـ«مقاتلة الامبريالية التركية»، وأنهم يدرّبون أيضاً أفراداً من تنظيم كان يعرف حينها بـ«الجيش السرّي الأرمني». لم يقيّض لـ«الجيش» آنف الذكر البقاء، أما «الكردستاني» فتطوّر ليصبح وزناً استراتيجياً في معادلات المنطقة، وخصوصاً في سوريا.

وظيفة جديدة

تسيطر الحكومة السورية، منذ سقوط نظام الأسد على ما يقارب 69,3% من مساحة البلاد، فيما تهيمن «قوات سوريا الديمقراطية» على 27,8%، و«قوات الحرس الوطني» في السويداء على 2,8%، فيما تحتل إسرائيل 0,1% من مساحة البلاد.

تعتبر «سوريا الديمقراطية» إحدى التشكيلات الحركية العديدة لحزب العمال الكردستاني الذي تأسس في تركيا  عام 1978 من قبل مجموعة طلاب ماركسيين بدأوا مواجهات متفرقة مع السلطات في جنوب شرق تركيا. ثم تطوّرت، في العام اللاحق، بمشاركة فصائل أخرى، إلى تمرد مفتوح خلال الأعوام 1984 – 1999.

التقط حافظ الأسد، مبكراً، توجّهات هذا الحزب، وحاول توظيفها في أجنداته السياسية الإقليمية. فوصلت أول مجموعة من مقاتلي الحزب الى لبنان عام 1979 (أي بعد عام واحد من تأسيسه). ثم انتقل التنسيق إلى داخل سوريا عندما سمح الأسد بعقد مؤتمري الحزب، الأول، في عام 1981، والثاني في عام 1984، وافتتح مخيم تدريبي له باسم «أكاديمية معصوم قورقماز» عام 1986، في سهل البقاع، وتناظر مع استخدام الأراضي السورية لتنفيذ هجمات في تركيا ما أدى إلى تصعيد كبير هدّد باجتياح عسكري لسوريا، وعندها قام النظام بطرد زعيم الحزب، عبد الله أوجلان، من سوريا، عام 1998، وهو ما انتهى باعتقاله في العام نفسه، في عملية استخبارية شاركت فيها عدة دول في العاصمة الكينية، نيروبي.

أعطى اندلاع الثورة السورية عام 2011، فرصة لعودة الحزب ولتحالف يهدف لمنع امتداد الثورة للكرد، وإقامة حاجز أمام تركيا. انسحبت قوات النظام سامحة للفرع المحلي للكردستاني، حزب «الاتحاد الديمقراطي»، بالتوسع والسيطرة على المناطق الحدودية السورية مع تركيا، وبدخول المئات من مقاتلي الحزب (بالتنسيق مع الحكومة العراقية).

رغم كونه مصنّفاً كتنظيم إرهابي في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، فقد وجد «الكردستاني» رعاةً جدداً في هؤلاء الخصوم الأيديولوجيين المفترضين، الذين شكّلوا تحالفاً لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2014، وكان الوليد الهجين لهذا التحالف هو «قوات سوريا الديمقراطية».

تغيّرت وظائف الكردستاني عدة مرات، من وظيفة مناهضة تركيا، إلى وظيفة منع امتداد الثورة السورية إلى الكرد، إلى وظيفة محاربة «داعش»؛ ومع هزيمة التنظيم الجهادي في العراق وسوريا، برزت الحاجة لوظيفة جديدة: اختار الأمريكيون مواصلة دعم «قسد». رغم امتلاكها مصادر دخل واسعة، وقوة دفع ذاتي للتصرّف كدولة، فإن انحيازها الطبيعي الممكن للحلف الروسي – الإيراني الداعم للأسد، كان سيجعلها عنصراً وازناً في الحلف المذكور، يضيف إلى إدارتها للمناطق الواسعة والغنية في سوريا، مهام أخرى تسهّل الطريق للمحور الإيراني – الروسي عبر العراق وسوريا ولبنان، وهو ما يتناقض مع الاستراتيجيات الأمريكية.

قدّم سقوط نظام الأسد، عام 2024، والضربات التي تلقتها إيران، و«حزب الله» اللبناني، حلاً لهذه الإشكالية، وخصوصاً مع الانفتاح البراغماتي الكبير لسلطات سوريا الجديدة على أمريكا والاتحاد الأوروبي والدول العربية الخليجية، وبدئها مباحثات مع إسرائيل، مما جعل الغرب راعياً للطرفين، وأسهم في ترتيب واشنطن لاتفاق آذار/ مارس 2024، بين دمشق و«قسد»، وهو اتفاق، يواجه مصاعب جمّة.

قدرة على التكيّف

يسكن في تركيا نصف كرد العالم، وكانت غالبيتهم تعيش، في جبال زاغروس وطوروس، في ظروف، كما يقول تقرير لمنظمة الغذاء والزراعة، تعرضهم لنقص الأغذية بشكل يؤثر على فرص الحياة المعيشية وصعوبة الوصول للخدمات والأسواق، ودرجة الاندماج في المجتمعات المركزية والارتباط باقتصادها,

على المستوى الاجتماعي والعمراني والبيئي، يمكن فهم النزاع المسلّح الذي قاده «الكردستاني» عام 1984، كعملية إزاحة ضخمة لهذه الجماعة السكانية من الجبال إلى المدن. أدى النزاع لتهجير قرابة مليون كردي إلى مدن الصفيح المكتظة بالسكان مثل ديار بكر ووان وشرداق، وكذلك إلى مدن الغرب التركي، ولاحقاً إلى أوروبا. ساهم هذا التهجير، ومقتل أكثر من 40 ألف شخص، لتطوّرات سياسية داخلية وإقليمية وخارجية، وجولات عنف لاحقة في الأعوام 2004، و2011، و2015.

كانت هزيمة حكومة «تركيا الفتاة» في الحرب العالمية الأولى عام 2017، التي ترافقت مع احتلالات غربية لمجمل المنطقة العربية، الحدث المركزيّ الذي حدّد معالم المنطقة في العصر الحديث. تأسست أركان الجمهورية التركية لاحقاً على قطيعة هائلة مع الإرث الإسلامي كأبجدية وثقافة وسياسة وتمثيل للقوميات الأخرى، وعلى محاولة لتمثّل أقصى للنموذج الغربي. كان حظر أحزاب الإسلام السياسي، كما قال كاتب كردي مؤخراً، كونها تشكل رئة سياسية تمكن الكرد من التنفس عبرها، وكان «العمال الكردستاني» (كما «البعث» في العراق وسوريا)، ضمن هذا السياق، منفذاً للقومية الكردية، عبر تبني نموذج أكثر تطرّفاً للعلمانية من الأتاتوركية.

يمثّل صعود حزب «العدالة والتنمية» إلى سدة الحكم في العام 2002 استعادة لفكرة الأمة الإسلامية الجامعة التي تضمّ إثنيات مختلفة، وهو ما التقطه حزب «الشعوب الديمقراطي»، الذي يعتبر الوجه السياسي لـ«الكردستاني» في تركيا، الذي رعى مفاوضات أدت لقرار «الكردستاني» بإلقاء السلاح وحل نفسه. سمحت الإصلاحات والانفراج الحاصل لـ«الكردستاني» بالحصول على ثمانين مقعداً في البرلمان التركي، بما يذكّر بأن البرلمان الأول الذي تأسس عام 1920 (تحت اسم الجمعية الوطنية التركية الكبرى) ضم 70 نائباً كردياً، وكان قادتهم، مثل يوسف ضياء بيك معارضين بشدة لقرار إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924 خوفاً من انفراط العقد اللامركزي الذي تضمنه الفكرة الإسلامية.

بالوظائف العديدة التي تكفّل بأدائها، وبانتقالاته من هدف تأسيس كردستان شيوعية إلى رفع رايات الديمقراطية للشعوب في تركيا وسوريا، والقتال تحت أمرة خصومه الأيديولوجيين الأمريكيين (الذين ساهموا في اعتقال زعيمه أوجلان)، أثبت «الكردستاني» قدرة كبيرة على التكيّف والتأقلم بشكل يمكن لداروين أكثر من ماركس أن يفسره.

العودة إلى الأعلى
Cover image

حسام الدين محمد

كاتب سوري مقيم في لندن

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية